ابن كثير
18
البداية والنهاية
فصغرت عندي الدنيا حتى لهي أقل شئ . وكان عنده مرة لوز فساومه رجل على الكر ( 1 ) بثلاثة وستين دينارا ، ثم ذهب الرجل فإذا اللوز يساوي الكر تسعين دينارا فقال له : إني أشتري منك الكر بتسعين دينارا . فقال له إني إنما ساومتك بثلاثة وستين دينارا وإني لا أبيعه إلا بذلك ، فقال الرجل : أنا أشري منك بتسعين دينارا . فقال لا أبيعك هو إلا بما ساومتك عليه . فقال له الرجل : إن من النصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين دينارا . وذهب فلم يشتر منه . وجاءت امرأة يوما إلى سري فقالت : إن ابني قد أخذه الحرسي وإني أحب أن تبعث إلى صاحب الشرطة لئلا يضرب ، فقام فصلى فطول الصلاة وجعلت المرأة تحترق في نفسها ، فلما انصرف من الصلاة قالت المرأة : الله الله في ولدي . فقال لها : إني إنما كنت في حاجتك . فما رام مجلسه الذي صلى فيه حتى جاءت امرأة إلى تلك المرأة فقالت لها : أبشري فقد أطلق ولدك وها هو في المنزل . فانصرفت إليه . وقال سري : أشتهي أن آكل أكلة ليس لله فيها علي تبعة ، ولا لاحد علي فيها منة . فما أجد إلى ذلك سبيلا . وفي رواية عنه أنه قال : إني لأشتهي البقل من ثلاثين سنة فما أقدر عليه . وقال : احترق سوقنا فقصدت المكان الذي فيه دكاني فتلقاني رجل فقال أبشر فإن دكانك قد سلمت . فقلت : الحمد لله . ثم ذكرت ذلك التحميد إذ حمدت الله على سلامة دنياي وإني لم أواس الناس فيما هم فيه ، فأنا أستغفر الله منذ ثلاثين سنة . رواها الخطيب عنه . وقال : صليت وردي ذات ليلة ثم مددت رجلي في المحراب فنوديت : يا سري هكذا تجالس الملوك ؟ قال فضممت رجلي وقلت : وعزتك لا مددت رجلي أبدا . وقال الجنيد : ما رأيت أعبد من سري السقطي . أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت . وروى الخطيب عن أبي نعيم عن جعفر الخلدي عن الجنيد قال : دخلت عليه أعوده فقلت : كيف تجدك ؟ فقال : كيف أشكو إلى طبيبي ما بي * والذي ( 2 ) أصابني من طبيبي قال : فأخذت المروحة لأروح عليه فقال : كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل ؟ ثم أنشأ يقول : القلب محترق والدمع مستبق * والكرب مجتمع والصبر مفترق كيف القرار على من لا قرار له * مما جناه الهوى والشوق والقلق يا رب إن كان شئ لي به فرج ( 3 ) * فامنن علي به ما دام بي رمق قال فقلت له : أوصني ، قال : لا تصحب الأشرار ، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأبرار الأخيار . وقد ذكر الخطيب وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين بعد أذان الفجر ، ودفن بعد العصر بمقبرة الشوينزي ، وقبره ظاهر معروف ، وإلى جنبه قبر الجنيد . وروي
--> ( 1 ) الكر : مكيال للعراق ، وهو ستون قفيزا أو أربعون أردبا ( القاموس ) . ( 2 ) في صفوة الصفوة 2 / 384 : والذي بي . ( 3 ) في صفة الصفوة : كان شئ فيه لي فرج